عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
518
مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي
أحدهما : أنها للمصاحبة ، فالحمد مضاف إِلَى المفعول ، أي : فسبحه حامدًا له ، والمعنى : اجمع بين تسبيحه - وهو تنزيهه عما لا يليق به من النقائص - وبين تحميده ، وهو إثبات ما يليق به من المحامد . والثاني : أنها للاستعانة ، والحمد مضاف إِلَى الفاعل ، أي سبحه بما حَمِد به نفسه ؛ إذ ليس كل تسبيح بمحمود ، كما أن تسبيح العتزلة يقتضي تعطيل كثير من الصفات ، كما كان بشر المريسي يقول : سبحان ربي الأسفل . وقوله : { واستغفره } أي : اطلب مغفرته ، والمغفرة : هي وقاية شر الذنب لا مجرد ستره . والفرق بين العفو والمغفرة أن العفو محو أثر الذنب ، وقد يكون بعد عقوبة عليه ، بخلاف المغفرة ، فإنها لا تكون مع العقوبة . وقوله : { إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا } إشارة إِلَى أنه سبحانه يقبل توبة المستغفرين المنيبين إِلَيْهِ ، فهو ترغيب في الاستغفار ، وحث عَلَى التوبة . وقد فهم طائفة من الصحابة - رضي الله عنهم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أُمر بالتسبيح والتحميد والاستغفار عند مجيء نصر الله والفتح ، شكرًا لله عَلَى هذه النعمة ، كما صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة ثمان ركعات ( 1 ) . وكذلك صلى سعد يوم فتح المدائن ، وكانت تلك تسمى : صلاة الفتح . وأما عمر وابن عباس فقالا : بل كان مجيء النَّصر والفتح علامة اقتراب أجله ، وانقضاء عمره ، فامر أن يختم عمله بذلك ، ويتهيأ للقاء الله ، والقدوم عليه عَلَى أحسن أحواله وأتمها ، فإنه لمَّا جاء نصر الله والفتح بحيث صارت مكة دار إسلام ، وكذلك جزيرة العرب كلها ، ولم يبق بها كافر ، ودخل الناس في دين الله أفواجًا .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 280 ) ، ومسلم ( 336 ) .